الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

103

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والصحف : جمع صحيفة ، وهي قطعة من أديم أو ورق أو خرقة يكتب فيها الكتاب ، وقياس جمعها صحائف ، وأما جمعها على صحف فمخالف للقياس ، وهو الأفصح ولم يرد في القرآن إلا صحف ، وسيأتي في سورة الأعلى ، وتطلق الصحيفة على ما يكتب فيه . و مُطَهَّرَةٍ اسم مفعول من طهّره إذا نظّفه . والمراد هنا : الطهارة المجازية وهي الشرف ، فيجوز أن يحمل الصحف على حقيقته فتكون أوصافها ب مُكَرَّمَةٍ ، مَرْفُوعَةٍ ، مُطَهَّرَةٍ محمولة على المعاني المجازية وهي معاني الاعتناء بها كما قال تعالى : قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ [ النمل : 29 ] . وتشريفها كما قال تعالى : إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] وقدسية معانيها كما قال تعالى : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [ البقرة : 129 ] ، وكان المراد بالصحف الأشياء التي كتب فيها القرآن من رقوق وقراطيس ، وأكتاف ، ولخاف ، وجريد . فقد روي أن كتّاب الوحي كانوا يكتبون فيها كما جاء في خبر جمع أبي بكر للمصحف حين أمر بكتابته في رقوق أو قراطيس ، ويكون إطلاق الصحف عليها تغليبا ويكون حرف ( في ) للظرفية الحقيقية ويكون المراد بالسفرة جمع سافر ، أي كاتب ، وروي عن ابن عباس . قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر ( بكسر السين ) وللكاتب سافر ؛ لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه يقال : أسفر الصبح ، إذا أضاء وقاله الفراء . ويجوز أن يراد بالصحف كتب الرسل الذين قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم مثل التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم عليه السلام . فتكون هذه الأوصاف تأييدا للقرآن بأن الكتب الإلهية السابقة جاءت بما جاء به . ومعنى كون هذه التذكرة في كتب الرسل السابقين : أن أمثال معانيها وأصولها في كتبهم ، كما قال تعالى : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [ الأعلى : 18 - 19 ] وكما قال : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 196 ] وكما قال : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [ الشورى : 13 ] . ويجوز أن يراد بالصحف صحف مجازية ، أي ذوات موجودة قدسية يتلقى جبريل عليه السلام منها القرآن الذي يؤمر بتبليغه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون إطلاق الصحف عليها لشبهها بالصحف التي يكتب الناس فيها . ومعنى مُكَرَّمَةٍ عناية اللّه بها ، ومعنى مَرْفُوعَةٍ أنها من العالم العلوي ، ومعنى مُطَهَّرَةٍ مقدسة مباركة ، أي هذه التذكرة مما تضمنه علم اللّه وما كتبه للملائكة في صحف قدسية .